Go back

بري

دعاء شاهين
Published in Shoebox #3
رجل يرتدي بذلة ورابطة عنق. يتفوه بكلام مرتب وموزون. قد أتقن الأدوار المرسومة له، وصار فردًا مدمجًا بأمان داخل أنظمتنا العملاقة. تعلم كيف يحسب الأشياء، وكيف يستنبط النتائج من المقدمات، كما تعلم الكثير من الكلمات الفصيحة التي تعينه على ملء الفراغ الذي يزداد اتساعًا بيننا. ينهمك في الفعل، والتفكير، والحديث، لكن كل مساعيه تبعده أكثر عن نفسه، حتى صار يصدق أنه نفسه النسخ التي يمثلها. أحيانًا، عندما يعود إلى المنزل، وفي أقصى ساعات الليل حلكة، ينقض عليه حيوان مفترس، يزلزل كيانه ويشعره بمدى الخواء، الذي يحمله داخله. رجل كبالون، مهيأ للانفجار بضغطة دبوس. تصيبه الحيرة والارتباك. لقد فعل كل ما قيل له أن يتعين عليه فعله كي ينعم بحياة سعيدة. يتساءل: لما لا زالت روحي تأن في الظلام؟ لما لازلت أتوق إلى شيء أخر؟ لكنه يخاف ويوصد الباب في وجه حيوانه البري، مستعينًا بإرادته المتشنجة، معتقدًا أنه قد ينجو من براثنه، إذا فعل أكثر، إذا فكر أكثر، إذا حاول أكثر. 
--
فهد يركض في ظلام الغابة، عيناه تلمعان، ثغره مفتوح كاشفًا عن أنيابه. يركض بملء طاقته دون التفات أو توقف. الفهد ليس بخيّر أو شرير، هو لا يتبع أي من هذه التصنيفات البشرية؛ هو حقيقي منغرس في نسيج الوجود. تتفجر موجات الغريزة بداخله، فهي المحرك والوقود، هي الحياة تتبدى دون مواربة أو تنميق. 
--
الحيوان بداخلك لن يغادر، لن يتركك تلوك الكلام كثيرًا. هو مرتد على قوائمه الخلفية، عيناه منصبتان عليك، ينتظرك في أكثر الأماكن واللحظات غير المتوقعة، مثل عندما تكون في حفل يعج بالأشخاص والصخب، لكنك لا زلت تشعر بالوحدة والاغتراب، لا زالت وسط كل هذا الزحام، تبحث عن شيء أخر، لا تراه، لكنك تشم رائحته في الهواء، وتسمع زئيره خافتًا بعيدًا. 
لكنك ترفض الهدية خوفًا من المسؤولية، من تبني المجهول؛ لأنك تخاف أن تكون فعلا نفسك. غير أن حيوانك الضاري، ولأسباب لا تعلمها، يأبى أن يموت. هو مصدر عذابك، وعدم انسجامك مع كل هذا النظام المؤمن حولك، هو مصدر بؤسك وانقسامك الداخلي، لكنه أيضًا طوق نجاة روحك من الفناء. هو الأصل، يعرف العهد، والطريق إلى الغابة. إن آمنت به، إن تركته يسكن جسدك، إن شحذت كل حواسك وقررت أن تركض معه في الظلام حتى وإن تملكك الخوف، مرددًا تعويذتك السحرية لفك أسر روحك من كل هذا الاصطناع، حينها فقط ستعرف حقيقتك، وستكون مستعدًا للتخلي عن كل شيء في هذه الحياة، باستثناء تلك الحقيقة النابضة في أحشائك.