ولا كلمة واحدة مهدورة
نذير ملكاوي
(هذا فصل قصير من رواية قيد الكتابة)
(This text was written originally in Arabic. An English translation can be found below)
كنتُ جالسًا أمام شاشة اللابتوب، أشاهد فيلمًا يقول فيه شابٌّ أربعينيّ لفتاة عشرينيّة إنّ عليهما أن يفترقا، لأنّه يحدس بأنّهما لو أكملا كذلك، فسيحبّها. لا أذكر أقال سيقع في حبّها، أم سوف يحبّها. لكنّ هذا تساؤل يعنيني أكثر ممّا يعني الفيلم. عقب نزولها درجتين، يقول راوي الفيلم إنّ الفتاة في تلك اللحظة بالذات، أدركت أنّها أحبّته، فصارت علاقةً. لحظة تسمّرها عند الدرجة الثانية نزولًا، عرفتُ أنّ لكلّ امرئ حياة تخصّه وحده، لا يمكن أن يتشاركها مع أيٍّ كان: تفضيلاته في الناس، في الشكل، الملبس، الأدب، الموسيقى، الطّعام، علوّ الصوت وانخفاضه، كلّها تفضيلات شخصٍ واحد. بوسع شخصين أن يلتقيا، لكنّ حياتيهما أبدًا لن تتداخلا. وعند ذاك المُلتقى، يحدث الحبّ، وكذا الكراهية. فوجود واحدهما مرتبط أبدًا بإمكان وجود الآخر. أدركُ الآن، أنّني أحبّ سامرّاء، هذا الإدراك الذي يضربني للمرّة المليون ربّما، وأنّ أقصى ما أتمنّاه أن نلتقي، لكن، ما أغمضتُ عينيّ عنه، أنّ أحدنا سينتهي إلى الكراهيّة،
وسيظلّ الثاني معلّقًا في الحبّ.
أخرجتُ هاتفي، وكتبتُ لها رسالة قصيرة بحجم لحظة الإدراك تلك: ولِك وبعدين؟ قبل أن أمحوها وأكتب: بحبّك، وهذه كتلك، وما تلاها أيضًا. ظللتُ أكتبُ وأحذفُ حتّى استُنفِدتُ، فقمتُ لأمشي حتّى تعبتُ، واستمرّ الحالُ هكذا حتّى تناهى الخوف إلى قلبي، إذ لم أعرف، حين رفعتُ رأسي أين أنا. مشيٌ كما الأبد، وحياةٌ معلّقة مثل مطهرٍ تجلّى وبات عيانًا. أكل هوا، هذا ما هو الحال عليه، وإلّا فماذا؟ قرّرتُ ألّا أفهم، وأن أقود السيارة حتّى بيتها. ركنتُها بعناية من لا يودّ التفكير بالقادم، كانت قرابة الواحدة بعد منتصف الليل، وأهلها ما يزالون نيامًا. مشيتُ صوب بيت سامرّاء. لمّا تزل الأضواء مشتعلة، لعلّ الجميع كانوا متجمّعين في الصّالة، لكن كان من المستحيل تبيّن أيّ شيء من خلال الستائر الثقيلة. همت قطراتٌ خفيفة من المطر. مضت عشر دقائق. عرفتُ أنّ بوسعي ضرب جرس المنزل ورؤية سامرّاء، لكنّني بقيتُ واجمًا. لم أدرك أنّ الدقائق العشر تلك لم تكُن إلّا وهمًا حرّكته التفاتة فتاة الفيلم إلى الوراء، ثمّ عدولها عن نزول الدرجات إلى منتهاها؛ أدركتُ فقط أنّ تلك الدقائق كانت فظيعة، وأنّ انقضائها ليس ضامنًا كي يتغيّر أيّ شيء، فضربتُ جرس المنزل، وانتظرت.
فتحت لي سامرّاء الباب، ظللنا واقفين وجهًا لوجه، بلا نأمة ندّت عن أيّنا لدقيقة، فاثنتين، ربّما أكثر أو أقلّ، لكنّ الأكيد أنّ أحدًا لم يفُه بشيء، ذاك حين أمسكتني من تلابيبي وأدخلتني بعينين تكادان تشتعلان. ما الذي جاء بك؟ سألتني، وقبل أن أجيب، طلَبَتْ أن أتحدّث همسًا. أجلتُ عينيّ في الرّدهة الطويلة، بإضاءتها الخافتة: الصالة عن يساري، والغرف تتوزّع تباعًا على طول الممرّ الذي أوحت الإضاءة باتّساعه خداعًا. عدتُ إلى سامرّاء، وقلتُ لها إنّ عليّ أن أكتب. حانت منها التفاتة نحو أصابعي المرتعشة، التي داريتها باليد الأخرى، حتّى صارت الكفّان يدًا واحدةً كبيرةً موهومة بالثبات. قلت إنّ عليّ أن أكتب، وإنّ الأمر لا يحتمل النقاش. سحَبَتْ اليد المهتزّة وقبضت عليها، جارّة إيّاي إلى الصالة. أجلستني على كنبة لا يراها من يمشي في الممرّ إلّا لو دخل الصالة، وطلَبَتْ ألّا أتحرّك. جلبت لي كأس ماء، وطلبت أن أحكي لها. ماذا تودّين أن أحكي؟ سألتُها، فأجابت عن سبب مجيئي، عن هذا الذي لا ينتظر حتّى الصباح، عن الفضيحة التي أوشكتُ على إشاعتها، أو التي أشعتها وانتهى الأمر. قلتُ والله ما قصدي، بس الموضوع لا يحتمل التأجيل، كل شيء يجب أن يُكتب، وإلّا انفجر رأسي. أخبرتُها عن كرهي لما يدّعيه الكتّاب عن كون الكتابة علاجًا نفسيًّا، هذا كذب. أو لا، ضعف في المعرفة، وتداول فكرة لنصاعتها تبدو بدهيّة، لكن قسما بالله إنّها ليست كذلك، وأنا لا أحلفُ كذبًا. الكتابة ليست علاجًا، وإن كان لزامًا أن ننسبها إلى شيء، فإلى الانهيار هي أقرب. كبسة زرّ، أو كبسات، حقيقةً لا مجازًا، تدفعُ العربة إلى الوادي، وأنت وحظّك. كانت حازمة أكثر هذه المرّة، وطلبت أن أخبرها الحقيقة وإلّا طردتني. اشتدّ اضطراب أصابع يديّ، فطلبتُ منها أن أشعل سيجارة. شقّت الشباك قليلًا، هكذا كانت تجيب دومًا عن الأسئلة بالأفعال، عن المصائب بالحلول، وعن الحب بالنكران. أخرجتُ ورقةً من جيبي، لأجدها تهزّ رأسها: احكِ أنت. لا يجوز أن تباغتني ليلًا ثمّ تطالبني أن أجاري ما يريحك. احكِ وسأسمع.
أخبرتُها عن حلم البارحة، من أوّله حتّى هذه اللحظة. قلتُ لها إنّ الحلم يقول كلّ شيء، وأحسستُ أنّها اقتنعت، أو كادت. أخبرتُها أنّني كنتُ واعيًا في الحلم على ذاكرة ليست لي، لكنّها كانت كذلك في الحلم. كنتُ أعرفُ أنّها انتحرت قبل ستّ سنوات، شنقًا. وباتَ الخبرُ على كلّ لسان، قبل أن يستقرّ عند منشور في ذكرى ميلادها يعلن فيه أحبّتُها أنّها استقرّت في القلوب، أو في القلب، قلب واحد، في لا فرق. كنتِ تقولين لي مرحبًا، هكذا أتذكّر، تمامًا كما لم أنسَ صوتكِ وأنت ترحّبين بي: مرحبًا مقرونة بصورة جانبيّة لوجهك. فجأة نسيتُ صوتك، جرّبتُ أن أتذكر، لكن عبثًا، لم يبقَ إلّا الوجه من جانبه. بحثتُ على الإنترنت، دخلتُ حسابات أهلك ومعارفك وأصدقاءك، لا شيء، تبخّر الصوت. فكّرت بالعود الأبديّ (أم هو التّناسخ؟)، بأنّ شخصًا ما على وجه الأرض لا بدّ أنّه ورث صوتك، وبدأت التخطيط لأعثر عليه، قبل أن أعثر عليكِ شخصيًّا.
كنتُ مع ريّانة فيما يشبه المقهى، وكنتِ بجانبنا، لكنّ شكلكِ تغيّر: تلبسين بذلة بنفسجيّة، أطول وأنحف قليلًا من الهيئة التي أتذكّرك عليها، حتّى الوجه كان أطول. عرفتُ أنّك أنتِ، لكنّني لم أتأكّد، ولم أشأ أن أفعل، فقد مضت ستّ سنوات بكيتك فيها كما لم أبك أحدًا. ماذا يصنع المرء بنفسه إن غاب مسبب الحزن، فجأة؟ سأموتُ كمدًا لو كنتِ حيّةً. مرّ اليوم ولم أخبر ريّانة شيئًا، لكنّ وجهك الجديد بدأ يحلّ محلّ القديم، وصار العالم مقلوبًا: غامت الدنيا في عينيّ، وصرتُ مثل المهووس أبحثُ عنكِ كي أسأل أين كنتِ كلّ هذه المدّة.
التقيتُ غالب اليوم التالي. وعلى علّاته، لم تعُزه الشجاعة يومًا. أخبرتُه عن الصوت الذي اختفى، والوجه الذي حلّ مكان الآخر، والعالم الذي شهد تغيّرًا سريًّا يحسّه الناس ولا يدركون ماهيّته. فقال عندي، ولمّا رأى حيرتي، قال بقلُّك عندي، وضرب على صدره. تركني دون أن يشرح، وبعد ساعة تقريبًا، وصلني منه مقطعٌ مصوّر لها، أو لكِ، بذات الطقم البنفسجيّ، والوجه الممطوط، والملامح التي مهما تدارت لا تذكّر إلا بالملامح التي كانت. سألكِ دون مواربة: أأنتِ سامرّاء؟ فهززتِ رأسكِ إيجابًا. ثمّ أكمل استجوابه، لأفهم من إجاباتك المتتالية بأنّكِ أدمنتِ المخدّرات، ولم يكُ من قصاصٍ مناسب لدرء الفضيحة إلّا إعلان الموت، بأقسى الطرق وأصعبها. لم يكن بالإمكان أن يعرف أحدٌ. ولا حتّى حسام؟ ولا حتّى حسام. سمعتُ الجواب وانهرتُ بكاءً، ظللتُ أبكي حتّى وجدتُني أطرق بابكِ. كان عليّ أن أسأل: لماذا؟ لماذا تصرّين على جعلي ضحيّة وأنا لا أعرف من هذه الحياة سوى كره نفسي، وكلّ ما يبدر مني من ضعفٍ، مهما يبدو كبيرًا، أهشّه بيدٍ، وأستندُ إلى الأخرى لأقوم. لماذا لا تحبينني؟
وانفلتت أصابعي عن عقالها. رجفةٌ، في أيّ يومٍ آخر كانت لتستحيل وقوعًا، إذ لا تكتفي الأصابع بنفسها، بل تنقل ذبذباتها إلى القدمين، إلى الصدر الذي يصعب عليه في حالات شبيهة أخذ النفس، إلى الرأس الذي تتوالى فيه الكلمات مصوّرة ومسموعة، بلا قدرة على اللحاق بها: طرقات، مدارس، أبي، أمي، استجواب، حرب، مقاطعة، لعانة والدين، حرف الباء إذ يلتصق بالمشاعر: بمودّة، بمحبّة، باحترام، بصدق، بغضب، بلهفة، بانهزام، بحسام، بغالب، بريّانة، بسامرّاء، إلى متى، وإلى أين.
انتصبتُ من جلستي، كلّي يهتزّ، ودون أن أنظر في عينيها، قصدتُ باب البيت، وخرجتُ وأنا أردّد: يجب أن أكتب، يجب أن أكتب كلّ شيء، ولا كلمة واحدة مهدورة، ولا كلمة واحدة.
Not a Single Word in Vain
By Natheir MalkawiTranslated from Arabic by Dennis Farnsworth